أحدث الأخبارفلسطين

الفيلسوف الثائر عدي التميمي … والحاجة إلى هندسة ثورية جديدة

كتب: عماد توفيق عفانة

العصر-خلال ثورة 36، لبس الرجال من سكان المدن “الكوفية” بدل “الطربوش”، للتمويه على الثوار.

وقبل أسابيع من الان قص الشبان الفلسطينيون في الضفة والقدس رؤوسهم “على الصفر”، في محاولة للتمويه على منفذ “عملية شعفاط”؛ عدي التميمي، قبل أن يستشهد في عملية ثانية.

التشابه بين الحدثين، يؤشر إلى ترابط اجتماعي ووطني لا شعوري بين الشعب والمقاومة في صور نضالية ابداعية، إلا أن عدم وجود منظومة فلسطينية ناظمة ترعى هذا التضامن اللاشعوري، أدى الى تباعد صور هذا التضامن، وضيع فرصة تحويله إلى أحد اهم الأسلحة الوطنية والشعبية الملحقة بجبهات النضال والمقاومة.



تكمن أحد أبدع صور مقاومة الشعب الفلسطيني، قدرته على الانبعاث كالنار من تحت الرماد، فتاريخ الشعب الفلسطيني النضالي شهد مراحل نجح العدو فيها بإخماد ثورته واحتواء غضبته، الا ان هذا التاريخ شهد أيضا غير مرة انبعاث جيل يقاوم للخروج من أكبر عملية تدجين واحتواء وتذويب حد التلاشي شهدها في تاريخه منذ اندلاع ثورته في عشرينيات القرن الماضي، أصحاب الطلقة الأولى الحقيقيين في ثورة الشعب الفلسطيني الممتدة حتى اليوم.

يثبت الشعب الفلسطيني أن جميع سياسات التقويض والإزالة، والاحتواء المادي والمعنوي، بدءً من النكبة ومرورا بالمجازر التي ارتكبت بحقه داخل فلسطين والتي لاحقته حتى في دول اللجوء والشتات، وليس انتهاءً بانتفاضتي الحجارة والأقصى، وأن محاولات الاحتلال المريعة، وقفت عاجزة أمام قدرة الفلسطيني على إعادة إنتاج ذاته، ولم تفلح في منعه من إطلاق صور واشكال أخرى من النضال والمقاومة.

وكأن الفلسطيني يمارس حق العودة إلى ذاته وإلى ارثه النضالي بعد كل محاولة وأده حيا، قبل ان يحقق عودته إلى أرضه، في صورة ترجمها الشاعر محمود درويش بقوله ” وماذا بعد؟ ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ: هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟ قلت: قَتَلْتني… ونسيتُ، مثلك، أن أَموت.”

فما بين انطلاق المقاومة وتحرير الأرض زمن يتمدد، قد يقصر أو يطول، وهكذا في زمن النضال والمقاومة فقط يمكن فهم الفعل النضالي، وتبلوره في حدود الفعل المباشر الرافض للركون والاستسلام مهما كانت المغريات، ويؤثر الثورة مهما بلغت الأثمان والتضحيات.

ومن هنا فقط يمكن فهم سيكولوجية توريث الأجيال الذاكرة الثورية، وامتداد الفعل النضالي والتحرري في موجات لا تنتهي كموج البحر، كحائط صد امام محاولات كي الوعي، الذي يمارسه العدو بحق الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 74 عاماً.



فعل نضالي جسده الشهيد عدي التميمي في لحظة المواجهة الأخيرة له مع العدو، أحيت في الشعب الفلسطيني أحد صور البطولة من حيث اراد العدو كسرها، لتسكن في مخيلة الأجيال جيلا بعد جيل، كقدوة ونبراس تحض الأجيال على محاكاتها لينالوا شرف البطولة الاستثنائية.

ومن هنا يمكننا فهم الفلسفة التي عبر عنها الفدائي البطل عدي التميمي في وصيته وتحديداً في قوله: “أعلم أنني لم أحرر فلسطين بالعملية، ولكن نفذتها وأنا واضع هدفاً أمامي، أن تحرك العملية مئات من الشباب ليحملوا البندقية بعدي”، وهذا ما حاول العشرات من الشباب الثائر ترجمته خاصة في مخيمي جنين ونابلس، وما عرين الأسود وكتيبة جنين عنا ببعيد.

مبدأ “التراكمية والمحاكاة” الذي دندن على وتره الفيلسوف الثائر عدي التميمي، هو ذاته الذي يربط ما بين الفدائي “مهند الحلبي” الذي أعمل سكينه في القدس 2015م، وبين “إبراهيم النابلسي” 2022، الذي اعمل بندقيته بعده بسنوات.

فسلفة باتت تنتج ثقافة تعيد انتاج وتطوير الفعل النضالي والثوري لينجب نواة مقاومة صلبة بتنا نلمس أثرها في كتيبة جنين، وفي عرين الأسود في نابلس؛ وفي كتيبة بلاطة وطولكرم وطوباس والخليل وغيرها من مدن الضفة الثائرة التي تسعى لاستعادة ألقها الثوري كأهم ساحة للاشتباك مع العدو كونها الأقرب الى قلب كيانه وخاصرته الرخوة.

الحرب التي يشنها العدو الصهيوني على اللاوعي الفلسطيني، والذي نلمس تجلياته في العبث في الميثاق الوطني الفلسطيني في 1998/12/14 وتعديل بنوده ليتناسب والفلسطيني الجديد الذي يسعى العدو لتصنيعه في معامل التطبيع والتدجين والاحتواء، الأمر الذي امتد الى المناهج المدرسية والعبث في ذاكرة الأجيال، ومحاربة الأغنية الوطنية، والعلم وحتى الكلمة في محاولة لإحداث قطيعة بين الأجيال وذاكرتهم الجمعية وارثهم الثوري.
يتطلب من جميع قوى المقاومة الفلسطينية إيلاء مزيد من الاهتمام لسياسات إعادة الهندسة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للشعب الفلسطيني تحت مظلة النضال والثورة.

واعتماد استراتيجية فاعلة بالشراكة مع قوى المجتمع الحية، لناحية تعزيز التجاوب اللاشعوري بين الشعب الفلسطيني أفراداً وجماعات، سواء داخل الوطن أو في المنافي والشتات لجهة إطلاق وترسيخ ودعم الفعل المقاوم، ونقله من الهوامش إلى المركز.



استراتيجية تهتم بإعادة بناء القيم المجتمعية والوطنية، لناحية تصدير خطاب وطني عابر للأحزاب والفصائل، خطاب يشق طريقاً معاكساً لكل تفاصيل المرحلة وثقافتها التي يعمل العدو على هندستها وحشرنا تحت سقفها، خطاب يتجاوز حدود سايكس بيكو، لناحية انتاج روح جديدة في الجسد الفلسطيني بل والعربي، لتتبلور في النهاية أشكال جديدة للثورة والمقاومة خارج بنية الفصائل والأحزاب التقليدية الرسمية المقروءة، لجهة تحويلها إلى نموذج عمل قادر على تحقيق الهدف الكبير في انجاز التحرير العودة.

عن الكاتب

كاتب at فلسطين | + المقالات

كاتب وصحفي
عمل سابقا مراسلا في صحيفة الوطن الفلسطينية
ومراسلا لصحيفة النهار المقدسية
ومحررا في صحيفة الرسالة الفلسطينية
له الكثير من المقالات المنشورة في العديد من الصحف والموافع الاخبارية العربية والفلسطينية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى