أحدث الأخبارشؤون اوروبيية

المفاوضات إلى طريق مسدود: أوكرانيا تعترف بالضعف ولا تستسلم

مجلة تحليلات العصر الدولية / الأخبار

موسكو | وصل الرئيس الأوكراني، فلودومير زيلينسكي، إلى لحظة الإقرار بأن حلف “الناتو” لا يرى بلاده سوى مطيّة في إطار المواجهة القائمة بين الحلف وروسيا. وفي مواقف بارزة، أكد زيلينسكي أنه فقد الاهتمام بموضوع الانضمام إلى “الناتو”، لإدراكه بأن الحلف غير مستعدّ لقبول أوكرانيا. ولفت، في تصريحات صحافية، إلى أن “حلف شمال الأطلسي لا يفضّل الأمور الجدلية ويتجنّب المواجهة مع روسيا”. البارز أيضاً في تصريحات زيلينسكي تأكيده استعداد بلاده للحوار مع روسيا بشأن كيفية إدارة مناطق لوغانسك ودونيتسك والقرم، على رغم تشديده على أنه غير مستعدّ للتوقيع على الاستسلام.
هذا التطوّر في مواقف الرئيس الأوكراني يأتي بعد فشل الجولة الثالثة من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا في بيلاروس، في الخروج بنتائج مرضية لموسكو باستثناء الاتفاق بشأن الممرّات الآمنة. بالنسبة إلى روسيا، تمضي المفاوضات بشكل بطيء، وهو على عكس ما تريده لإرساء نتائج إيجابية، تُحقّق الشروط التي كانت وضعتها لإنهاء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، بسرعة. وبحسب الخبراء الروس، فإن موسكو تريد التوصّل إلى اتفاقات مع الرئيس الأوكراني تحديداً باعتباره الرئيس الشرعي، بالتالي فإن أيّ اتفاق معه سيجبر الغرب على الاعتراف به، وسيمنع أيّ محاولة غربية لتعطيله. وتتلخّص الشروط التي جدّد الكرملين الحديث عنها، في التزام أوكرانيا بوقف أنشطتها العسكرية، وتثبيت وضعها الحيادي دستورياً، واعترافها بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وباستقلال جمهوريتَي دونيتسك ولوغانسك. ومنذ انطلاق المفاوضات، شدّدت موسكو على ضرورة خروجها باتفاقات واضحة، وهو ما كاد يحصل في الجولة الثانية، لكن الطرف الأوكراني استمهل لبحث الأمر مع كييف، إضافة إلى عرض الاتفاقات على البرلمان للتصديق عليها، وفقاً لمصادر إعلامية روسية مطّلعة على المفاوضات.
وفي هذا الجانب، بيّن رئيس الوفد الروسي المفاوض، فلاديمير ميدينسكي، في ختام الجولة الثالثة، أن المناقشات حول الجوانب السياسية والعسكرية تجري بطريقة صعبة، قائلاً إنه لا يمكن الحديث عن تطوّرات إيجابية إلى الآن. وكشف ميدينسكي أن الوفد الأوكراني لم يستطع التوقيع على حزمة كبيرة من الوثائق التي حملها الوفد الروسي، أو حتى على بروتوكول حول النقاط التي اتّفق الطرفان عليها بشكل مبدئي، مرجّحاً أن يواصل الطرف الأوكراني التلكّؤ في التوقيع على أيّ وثيقة. وهو ما تعزوه موسكو إلى رغبة كييف في كسب مزيد من الوقت، إضافة إلى قناعة الأولى بأن الأخيرة لم تنجح في مقاومة ضغوط واشنطن الرافضة للتوصّل إلى تسوية.

ويرى الخبير في “مجلس الشؤون الدولية” الروسي، ألكسندر غوشين، أن فعالية المفاوضات تعتمد على موقف الولايات المتحدة، حليفة أوكرانيا، معتبراً أن “المفيد للأميركيين إطالة أمد الصراع حتى تتورّط الأطراف فيه وتُقيّد أيدي روسيا”. ووفقاً لغوشين، فإن الأميركيين نجحوا إلى الآن في دفع أوروبا إلى التشدّد في العقوبات وإمدادات الأسلحة للأوكرانيين. ويعتقد الخبير أن تأخير المفاوضات ليس في صالح كييف، موضحاً أن استمرار العملية العسكرية ستكون عواقبه كبيرة على مستقبل أوكرانيا كدولة موحّدة، مضيفاً أن الحديث عن مشاريع لفدرلة هذا البلد “قائم وليس مجرد تخمينات”. ويشدّد غوشين على ضرورة أن تعلن أوكرانيا استعدادها لاتّخاذ خطوة بشأن الاعتراف باستقلال جمهوريتَي لوغانسك ودونيتسك، ومُلكية روسيا لشبه جزيرة القرم، فضلاً عن مسألة الحياد.
من جهته، يلفت نائب مدير “معهد بلدان رابطة الدول المستقلّة”، فلاديمير زاريخين، إلى أن أوكرانيا تمضي وقتاً طويلاً في المفاوضات، معتبراً أن “الوقت قد حان لمناقشة مطالب روسيا”. ووصف زاريخين مطالَبة كييف بخروج القوات الروسية من دون شروط بأنها “استراتيجية خاطئة”. أمّا الخبير فلاديمير جار الله فيرى أيضاً أن أوكرانيا تتعمّد المماطلة، عازياً ذلك إلى إرادتها كسب مزيد من الوقت “من أجل محاولة إعادة تجميع قواتها، ونقل وحدات إضافية من الجزء الغربي من البلاد وزيادة مقاومة الجيش الروسي”. وبرأي جار الله، فإن موسكو مدركة جيداً نوايا كييف، لكنّها “تُظهر مع هذا قدرة أكبر على التكييف”. ويؤكد أنه إذا استمرّ الجانب الأوكراني في هذه “اللعبة” فلا جدوى من المفاوضات، مشيراً إلى أن “المحادثات بدأت تقترب من المرحلة التي سيصل فيها الطرفان إلى طريق مسدود”.
في هذا الوقت، ومع تدهور العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على نحو يصعّب إمكانية الوصول إلى اتفاقات، برز طلب الأخير من الصين لعب دور الوسيط لحلّ الأزمة، وهو ما لاقى صدًى إيجابياً في بكين، التي عبّرت عبر وزارة الخارجية عن استعدادها للمساهمة في تعزيز الحوار بين موسكو وكييف. ويبدو، من خلال التطوّرات، أن دور الصين سيكون أساسياً في الفترة المقبلة، بحُكم العلاقة القوية بينها وبين روسيا. ولعلّ من بين المؤشّرات إلى ذلك القمّة الافتراضية بين الرئيس الصيني، شي جين بينغ، ونظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتز، حيث شدّد الأوّل على ضرورة عدم السماح بخروج الوضع في أوكرانيا عن السيطرة، داعياً فرنسا وألمانيا إلى دعم المفاوضات الجارية بين روسيا وأوكرانيا، للتغلّب على الصعوبات التي تقف في طريق تحقيق السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى