أحدث الأخبارشؤون آسيويةشؤون افريقيةشؤون امريكيةشؤون اوروبيية

باقر ياسين في الميزان تقييم إسلامي لحالة بعثية؟!

العصر-ان قراءة تجارب السياسيين وتحليلها تعطي دروس مهمة للمتابعين وأيضا لمن يعيشون “هم” “النهضة العربية واعادتها على ارض الواقع الدولي، لكي يتم التعلم من الأخطاء وعدم إعادة صناعتها وخاصة ان الواقع هو المعمل الحقيقي للنظرية وهذا الامر حيوي مع حالنا العربي التعيس الغارق في مشاكل وصعوبات إعادة موقعنا الحضاري والتنموي والاستقلال “الحقيقي” بعيدا عن الأجانب وهذا ما يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وإعادة تشكيل المنطقة بناءا على المصالح الإمبراطورية الفرنسية البريطانية القيصرية الروسية.
نحن الان نعيش في مرحلة انتقالية مشابهة لما بعد معاهدة سايس بيكو , حيث ان العالم….كل العالم بأنتظار ما سيحدث بعد نهاية الحرب الروسية الأوكرانية و التي هي موقع تصادم و تفجر صراع الأقطاب , و التي أعلنت روسيا انها لن تسمح لنفسها بأي هزيمة مهما كلف الامر, اذن هذه الموقع المتفجر للصراع الامبراطوري الدولي القادم مع الأقطاب الدولية الجديدة و القديمة هو موقع حاسم لما سيأتي علينا في مناطقنا التي تعيش لأسف الشديد خارج التاريخ في انتظار ما سيحدث من اتفاقات و ترتيبات تعيد تقسيم المنطقة من جديد و منها ماذا سيحدث؟ وماذا سيترتب؟ من دول وتشكيلات نفوذ جديدة؟ هذا كله يتحرك في المجهول؟ ونحن العرب بأنتظار ما سيأتي؟



لذلك نقول ان قراءة تجاربنا السابقة مهمة، لكي نحاول ان نفهم لماذا لم نستطيع ان يكون لدينا موقعنا العربي صاحب المشروع المقاوم لمشاريع الاخرين من حولنا، لذلك نعيد التأكيد على أهمية قراءة تجارب السياسيين وتحليلها بما هو إيجابي وسلبي، لكي نستطيع ان نبدأ ب “سلاح الكلمة” ان نبدأ المسيرة من جديد، بدون ان نستلم للحالة البكائية على الاطلال او ان نقدم حالة طعن بالذات مستمرة بدون فائدة كالتي قام به جهات وافراد لما بعد هزيمة 1967 وهو طعن بالذات لم يقدم الحلول ولكن خلق حالة هزيمة مستمرة.
اذن لكي نخلق نظرية للحركة علينا ان ندرس أسباب تأخرنا والصعوبات التي واجهها هذا الحزب او تلك الشخصيات اثناء عملهم، لأن الأفكار والنظريات التي لا تتحرك على ارض الواقع وتنتج أمور إيجابية ما فائدتها عندما يتناقض الشعار والفكر مع التطبيق، فكلنا تابعنا الأحزاب والتنظيمات التي تقول عن نفسها “إسلامية” وهي تخدم المشروع الأطلسي الصهيوني داخل العراق الجريح ؟! وكل البشرية تابعت النماذج الأسوأ من ابليس الرجيم من تنظيمات للدعوة وللمجلس الأعلى وللحزب الإسلامي للأخوان المسلمين وجماعة فلان ودكانة علنتان ومراجع التقليد الخدم للصهيونية ولوكالة الاستخبارات الامريكية، هذا غير ادعياء القومية العربية وحزب شيوعي يخدم الاستكبار العالمي !؟ ويتحرك ك “عبد ذليل” للإمبريالية الرأسمالية!؟ والقائمة مستمرة بكل التشكيلات والتنظيمات والأشخاص الذين تتعارض شعاراتهم وأفكارهم مع حركتهم التطبيقية على الأرض.
ان الحالة الإسلامية الحركية القرأنية تلزمنا بقراءة الممحي و ما وراء اللعبة و أيضا بكشف النفاق و المنافقين و السقطة الاخلاقيين و الخونة و المنحرفين من خلال دراسة العلاقات الجانبية وأيضا مصادر التمويل المالي وكذلك توافق المبادي القرأنية مع الحركة على ارض الواقع , لكي نعرف المخلصين ولكى نكشف المنافقين , و هذا هو الوعي القرأني الذي تعطينا إياه آيات القران الكريم , و لنا في دراسة معركة احد في كتابنا المقدس القران الكريم لكي نعرف عبقرية هذه الآيات في دراسة المجتمع البشري الإنساني و تحولاته من الايمان الى التراجع عنه و من الكفر الى الايمان و من الخوف للبطولة و العكس صحيح حين يدخل الطمع الإنساني البشري طلبا للمغانم على الالتزام بالخطط , و هذه كلها دروس قرأنية علينا الالتزام بها لكي نكون من أصحاب الوعي و البصيرة و كذلك علينا الدعاء لأنفسنا و للأخرين بأن لا يتم ابتلائنا من هنا و هناك و ان نصبر على التزام خط الهداية و الصراط المستقيم.
يقول المرحوم السيد محمد حسين فضل الله في كتاب الجمعة منبر والمحراب:
“أنزل الله في القرآن آيات كثيرة، يحدّثنا فيها عن بعض النَّماذج في وقائع المعركة، وعن الدروس التي ينبغي للمسلمين أن يأخذوها من المعركة، لأنَّ الإسلام، في ما جاء به القرآن، لا يريد للمسلمين عندما يمرّون بأيّ تجربة، سواء كانت التجربة تجربة نصر، أو تجربة هزيمة، أو تجربة يختلط فيها النصر بالهزيمة، كما كانت هذه المعركة، أو تجربة خطأ أو صواب أو فشل أو نجاح، إنَّ الله لا يريد للمسلمين أن تنتهي التجربة وينتهوا معها، ليصفِّقوا لانتصاراتهم وليبكوا هزائمهم، بل يريد لهم أن يدرسوا كلّ تجربة في الحياة ليفهموها جيّداً، فإذا كانت تجربة نصر ونجاح، فعليهم أن يدرسوا كيف انتصروا وكيف نجحوا وما هي عناصر النجاح والنّصر، ليستفيدوا من ذلك في المستقبل، وعندما تكون المسألة مسألة هزيمة أو فشل، فعليهم أن يدرسوا أسباب الهزيمة وأسباب الفشل، من أجل أن يتفادوها في المستقبل.

إنَّ الله يريد للإنسان دائماً أن يستثمر نجاحاته لنجاحات أخرى، وأن يأخذ الدرس في هزيمته، حتّى لا يقع في هزيمة أخرى، لتكون تجربة الإنسان مدرسة له في كلِّ مجالات الحياة.”



“حدَّثنا الله كيف كان المسلمون يعيشون بعض نقاط الضّعف في إيمانهم في البداية، إذ عندما دعا رسول الله (ص) إلى القتال، كانت هناك جماعة تريد أن تخرج معه، وكانت هناك جماعة لا تريد أن تخرج معه، وتغلَّب الرأي الأوَّل بشكلٍ كامل، وهذا هو قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ…} همُّوا في الفشل، فشلهم في الإيمان، لأنَّ نجاح الإيمان بالالتزام بطاعة الله ورسوله وأُولي الأمر الَّذين ارتضاهم الله ورسوله. أمّا الفشل في الإيمان، فهو أن يبتعد الإنسان عن الالتزام بالخطّ، على أساس نقاط الضّعف الموجودة في شخصيّته {إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 121 ـــ 122].”
ويذكر المرحوم السيد محمد حسين فضل الله في تفسير آيات آل عمران / من الآية 138 إلى الآية 143:
“[وليعلم اللّه الذين آمنوا] فإنَّ المواقف الصعبة التي يواجه فيها النَّاس الهزائم قد تزلزل النفوس وتدفع بعض المؤمنين إلى الريبة والشكّ والتراجع، وتزيد المؤمنين الآخرين ثباتاً وقوّةً وتحفزاً وتصميماً على مواجهة التحدِّيات، وبذلك ينكشف الإيمان المزيّف من الإيمان الخالص الصحيح الثابت، فإنَّ حالات الرخاء والأمن والدعة تجمع في داخلها كلّ النماذج الخيّرة والشرّيرة، لأنَّ الجوّ لا يفرض عملية الفرز الاجتماعي الإيماني ما دامت الفرصة تحتوي الجميع وتستوعبهم من دون سلبيّات.

وقد يوحي هذا التعبير بأنَّ التجربة تستهدف علم اللّه بالمؤمنين، فهل يحتاج اللّه في علمه بالأشياء إلى وسيلة للعلم مما يحتاجه الإنسان في ذلك؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. فما معنى ذلك إذاً؟! الظاهر أنَّ هذا أسلوب قرآني مميّز يستعمل الأفعال المنسوبة إلى اللّه بالطريقة التي تنسب إلى الإنسان من أجل التأكيد على ارتباط النتيجة بالمقدّمات في طبيعة الأشياء؛ وإن اختلفت في طريقة نسبتها إلى اللّه الذي يعلم الأشياء قبل حصولها، ونسبتها إلى الإنسان الذي يحتاج إلى الوسيلة التي تؤدّي إلى العلم…

وهذا أسلوب جرى عليه القرآن في طريقة المحاكاة في الموارد التي لا يحمل فيها الفعل طبيعة المعنى الذي أطلق عليه، كما في قوله تعالى: [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] (البقرة:194)؛ مع أنَّ انتصار الإنسان لنفسه لا يعتبر اعتداءً، ولكن المشاكلة لا تخلو من المناسبة التي تُعطي الفكرة بتناسب الفعل مع ردّ الفعل. وعلى ضوء ذلك يكون المقصود: ليظهر اللّه الذين آمنوا من خلال التجربة. فالقضية قضيّة تعبيريّة فنيّة ولا صلة لها بالمضمون، فلا حاجة إلى ما ذكره صاحب مجمع البيان في تفسيره، قال: «… وإذا كان اللّه تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان، كما يعلمهم بعده، فإنَّما يعلم قبل الإظهار أنَّهم سيميزون، فإذا أظهروه علمهم متميّزين، ويكون التغيّر حاصلاً في المعلوم لا في العالـم، كما أنَّ أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه، على معنى أنَّه سيجيء، فإذا جاء علمه جائياً، وعلمه يوماً لا غداً، فإذا انقضى فإنَّما يعلمه الأمس لا يوماً ولا غداً، ويكون التغيّر واقعاً في المعلوم لا في العالم»[12].

[ويتَّخذ منكم شهداء] الظاهر أنَّ المراد منه جمع الشاهد، لا جمع الشهيد ـ كما ذكره صاحب تفسير الكشاف[13] ـ وقد تكرر في القرآن الحديث عن أنَّ اللّه جعل هذه الأمّة في موضع الشهادة على النَّاس: [وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على النَّاس ويكون الرَّسول عليكم شهيداً] (البقرة:143)؛ أمّا علاقة ذلك بالمعركة ـ التجربة ـ الامتحان، فهي تعميق الإيمان وتصفيته وتنميته في نفس الإنسان المؤمن، ما يجعله في مستوى الشهادة التي تحتاج إلى عمق وصفاء وامتداد في الإيمان…



وربَّما تنطلق التجربة الصعبة التي تتنوّع فيها المشاكل وتتكرر فيها الحلول وتشتدّ فيها المعاناة، لتعمل ـ بأجمعها ـ على صنع الإنسان القيادي، والمؤمن الصلب الواعي المتحدّي الفاعل، لأنَّ مسألة القيادة ليست مسألة تتصل بالجانب الفكري للإنسان ـ بل هي ـ إلى جانب ذلك ـ مسألة مرتبطة بالتجربة الحيّة التي تتحرّك في وعي الإنسان في ساحة المعاناة ومواقع الصراع، وهذا واقع دور الشهادة الذي يطلّ بالإنسان على واقع الأمّة ليرصد كلّ حركتها الإيجابية أو السلبية في خطّ الاستقامة أو الانحراف من خلال وعيه الحركي للجانبين معاً، ومعاناته في الإصرار على الموقف الحقّ في صراع الحقّ والباطل.

وفي ضوء هذا، قد نجد معنى الشاهد في الشهادة أقرب من معنى الشهيد، لا سيّما أنَّ اللّه قد حدّثنا في القرآن في أكثر من آية عن الشهداء على النَّاس، من دون أن يتحدّث عن الشهيد بهذا التعبير في آية واحدة، بل لـم يعهد استعماله في القرآن، وإنَّما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية ـ كما يقول صاحب الميزان ـ مع ملاحظة أخرى، وهي أنَّ كلمة [ويتَّخذ] لا تتناسب مع الشهداء بمعنى قتلى المعركة. فقد لا يكون من المألوف أن يُقال اتخذ اللّه فلاناً مقتولاً في سبيله أو شهيداً، كما يُقال: اتخذ اللّه إبراهيم خليلاً، أو اتخذ اللّه موسى كليماً، ومحمَّداً شهيداً يشهد على أمّته يوم القيامة[14]، لأنَّ التعبير ـ على الظاهر ـ يُناسب المعنى الذي يمنح صاحبه خصوصية له، كالخليل والكليم والحبيب، وهذا لا ينسجم مع المعنى المذكور، واللّه العالم.

[واللّه لا يُحبُّ الظَّالمين] الذين ظلموا أنفسهم بالانحراف عن الحقّ والتراجع عن الطريق السويّ، [وليُمحِّص اللّه الذين آمنوا] ويختبرهم بما يبتليهم به، ويقودهم إلى المواقف السليمة الثابتة، وذلك من خلال أنَّ الابتلاء المنفتح على التجربة المتنوّعة الأبعاد المتعدّدة الجوانب، يمنح الإنسان المؤمن وعياً جديداً صافياً، بحيث تتغيّر نظرته إلى الأشياء وفهمه للأمور لمصلحة تغيير الذهنية العامّة، والسلوك الأخلاقي، والقيمة العملية، فتتحوّل نقاط الضعف إلى قوّة، والجوانب السلبية إلى جوانب إيجابية، فتزول كلّ الشوائب التي تبتعد بالإنسان عن صفاء الحقّ ونقاء الحقيقة.

[ويمحَقَ الكافرين] وذلك بتوجيه الضربات المتتالية إليهم، وتتابع الفرص أمام المؤمنين في الاندفاع مرّة بعد أخرى، وذلك من دون فرقٍ بين المحق الفردي والجماعي، تبعاً للأسباب الحادثة في الواقع الذي يعيشه الكافرون، حتّى يستقيم الأمر للخطّ الصحيح في نهاية المطاف.”
“[أم حسبتُم أن تدخلوا الجنَّة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصَّابرين] كان حديث الآيات الثلاث السابقة، هو حديث التجربة الحيّة في المعركة، وكيف يمكن الاستفادة منها بالتخفيف من سلبياتها ومضاعفة إيجابياتها، ودراسة أهدافها القريبة والبعيدة؛ أمّا في الآيتين الأخيرتين، فنُلاحظ أنَّ الحديث يتخذ بُعداً آخر، وهو مواجهة المؤمنين في الآية الأولى بالميزان الإسلامي للدخول إلى الجنّة، وهو العمل الصالح المتحرّك في خطّ الصبر والجهاد الذي يعبّر عن نفسه في الممارسات الصعبة التي يخوضها المجاهدون والصابرون الذين يضعون حياتهم في كفّة الميزان، وإيمانهم وعقيدتهم في الكفّة الأخرى، فترجح كفّة الإيمان والعقيدة على كفّة الحياة، فيقدّمون حياتهم ضحيّة على مذبح إيمانهم وعقيدتهم، فليست الجنَّة منحة مجانية يمنحها اللّه للكسالى الذين يقضون أيامهم في استرخاء نظري كسول، يُمارسون فيه ترف الفكر وغيبوبة الروح في أجواء الفراغ، ثُمَّ يبدأون بالتنديد بالطلائع المجاهدة التي تقف في مواقع الخطر في خطّ الجهاد، ليحطموا معنوياتهم ويهدّموا روحهم بالأساليب المتلوّنة الخبيثة. فمن أراد الجنَّة، فلا بُدَّ من أن يسعى نحوها بوسائلها التي يقف الجهاد في طليعتها ليقود الإنسان إلى جنّة اللّه، كما تزف العروس إلى زوجها في ليلة العرس.

وفي هذا الجوّ، لا بُدَّ للإنسان المؤمن الذي يفكّر بالجنّة من أن يطلبها في حركة الواقع الصعب، وفي ساحات الجهاد المرّ، لا في ساحات المساجد ومحاريبها فحسب؛ حتّى المسجد كان في أيام الإسلام الأولى منطلقاً لصيحات الجهاد التي تختلط بأذان الصلاة لتأكيد أنَّهما ينطلقان من قاعدة واحدة، وهي الإخلاص في مواقف العبودية الخالصة؛ ولكنَّ المدّ الإسلامي قد انحسر عن الحياة عندما ابتعد المسلمون عن الجهاد.

وتتحرّك الآية الثانية في خطّ التحدّي للتمنيات السابقة على المعركة التي كان المؤمنون يعيشونها في داخل أنفسهم: [لقد كنتم تمنَّون الموت من قبل أن تلقوه]. فقد كانوا يتمنَّون قتلاً في سبيل اللّه ليحصلوا على جنّته ورضوانه مما كان القرآن يحدّثهم عمّا أعدَّ اللّه للمجاهدين من فضلٍ وكرامة وسعادة في الدار الآخرة عنده، ولكنَّ التمنيات كانت تعيش في الفراغ خارج نطاق التجربة الصعبة، فلم يكن هناك معارك تفرض نفسها على الساحة، ولا اضطهاد وتشريد ومواجهة أخطار، كما هي حالة الكثيرين منّا عندما يقفون خلف المنابر فيهزونها بخطاباتهم الحماسية، وأساليبهم البلاغية، ودعوتهم للموت في سبيل اللّه…



وجاءت التجربة في معركة أحد، وكان الموت يركض في هذا الموقع، ويقف في ذلك، ويرفرف على رأس هذا، ويتحرّك حركة صاعدة وهابطة في هذا الاتجاه أو ذاك؛ وبدأ التردّد والقلق، وانطلقت نقاط الضعف في حركة التفاف حول أحلام الإنسان ونوازعه الذاتية، وجاء القرآن ليُخاطب هؤلاء ويُخاطبنا من خلالهم، ويؤكّد أنَّ الأمنية قد تجسّدت في الموقف، فها هو الموت أمامكم، حدّقوا به كيف يتحرّك في خطّ الشهادة، [فقد رأيتموه وأنتم تنظرون] لقد رأيتموه، فكيف تواجهون الموقف؟! ويسود الصمت، فلا تتحدّث الآية عن التفاصيل، ولكنَّها تترك للمؤمن أن يفكّر ليمتد تفكيره في اتجاه المسؤولية التي تقف في الخطّ الفاصل بين الدُّنيا والآخرة.”

لقد تابعت مقابلة الأستاذ باقر ياسين امين سر قطر العراق “السابق” لحزب البعث العراقي الجناح اليساري مع الدكتور حميد عبدالله بأجزائها الخمسة و بها من النقاط التي يجب مناقشتها و تحليلها لأنها اشتملت على مغالطات و أخطاء تاريخية وسذاجة فكرية و أيضا اساءات لا اعرف دافعها فقد يكون فردي ضمن الصراعات العراقية العراقية الشخصية بين التنظيمات او داخل الحزب الواحد او انها زلة لسان و سوء تعبير نظرا لأن اللقاء جاء ضمن سياق شعبي و ترتيب يشبه جلسة قهوة او تجمع لصالون اجتماعي حيث واضح عدم التنسيق بين المحاور و الأسئلة المطروحة و بين التحضير للإجابات و هذا لا يصح لمن يريد التوثيق التاريخي او إعطاء شهادته للناس , و هكذا جلسات مقبولة في جلسات السمر او تجمعات القهوة ؟! ولكن لا يصح ذلك في لقاءات إعلامية يجريها أستاذ مختص في التاريخ مع انسان صاحب تجربة حزبية وأيضا شخص لديه إصدارات من كتب معروفة.
مجملا اللقاء به إيجابيات حيث في مواقع منه نشاهد معلومات جيدة، ولكن هناك مناطق فيها من السذاجة الفكرية والسطحية الطفولية إذا صح التعبير وهي لا تليق بأن يمارسها او يقولها شخص احتل في فترة زمنية موقع متقدم في تنظيم قومي عربي؟!
وهذا يتناقض أيضا بما يتميز به حزب البعث العربي “اليساري” عموما من كثرة المنظرين و المفكرين الأقوياء و العميقين و حتى ان كانوا ليسوا ضمن التنظيم الحزبي , وأيضا نفس الحزب لديه عدد جيد من الملتزمين فكريا و المؤمنين الحقيقيين حيث هؤلاء من العادة ان يكونون من القارئين النهمين المتابعين لأحدث الإصدارات الثقافية وخبراء في النقاشات الطويلة الممتدة , ناهيك عن التجربة النضالية السياسية الصعبة ضمن محاولة صناعة نموذج لدولة قومية عربية بعثية يسارية في ظل صراعات دولية امبراطورية متفجرة حول القطر السوري و وجود الكيان الصهيوني على ارض دولة فلسطين المحتلة و كذلك الصراعات الداخلية السورية السورية , و المشاكل الحزبية الخاصة مع دخول خط السلبيات على الخط و كذلك احتلال الجولان , و أيضا وجود لواء الاسكندرون السليب و مشاكل الضغط على الدولة القومية البعثية اليسارية من كل اتجاهات الجغرافيا و التأمر الاستخباراتي و الأمني ضدها و سعيها لصناعة دولة رعاية نموذجي للمواطن في ظل كل هذا الصراعات و أمور أخرى كثيرة كلها المفروض ان تصنع وتخلق في من يحتل المواقع المتقدمة حزبيا العمق الفكري و كذلك التجربة الحركية الواعية القارئة لما وراء اللعبة و التي تعرف و تقدر و تقيم و تدرس كل حدث بما يناسبه و بما يحدثه أي قرار متخذ على سير الأمور في المدي القريب و المتوسط و البعيد و هذا ما كان يميز المرحوم حافظ الأسد ك “شخص” بعثي و مجموعة أخرى من البعثيين القوميون العرب اليساريين.
اذن ما اريد قوله ان هكذا مستوى من عمق ثقافي وحركي لم اشاهده للأسف في مناطق واسعة من لقاء الأستاذ باقر ياسين مع الدكتور حميد عبد الله، حيث رأيناه يجمع الشامي مع المغربي ؟! ويشمل الجميع ب “سلة واحدة” فهل كيف يتم مساواة بلطجية ومجرمين لما بعد مذبحة قاعة الخلد التي قتل فيها الطاغية صدام حسين رفاقه الحزبيين؟ هل كيف يتم مساواتهم بالتقييم والدراسة والنتيجة مع من هم بعثيين “حقيقيين” يعيشون الفكرة والايمان بها؟
ان الأستاذ باقر ياسين من ملاحظاتي له بهذه المقابلة ولقاءات سابقة له، لا يدافع عن مبادئ حزبه ؟! ويحاول ان يتنصل من أي مسئولية؟ وكذلك لا يحاور بإيجابية علمية من هم معادين لحزب البعث اليساري ؟! ونلاحظ عليه قبوله بالمساومات؟ واتخاذ موقف “لعم” أي بين “لا” وبين “نعم” !؟ وهذه حيادية سلبية إذا صح التعبير، وهناك أمور الحياد فيها لا يصح، كالموقف من الغزو الأمريكي للعراق؟ او التأمر الاستخباراتي الصهيوني؟ او الجاسوسية؟ او خدمة اجندات الأجانب…. الخ
ان الطاغية صدام حسين افتتح عهده بمجزرة لكي يقتل مشروع الوحدة العربية بين سوريا والعراق التي هي ضد مشروعه الشخصي الذاتي في الحكم بعيدا عن الالتزام الفكري الثقافي في الوحدة العربية.
لذلك لا يصح القول ان التجربة القطرية العراقية هي نفسها التجربة القطرية السورية؟ فهكذا كلام لا يمثل علمية في الطرح والتقييم، وهي كذلك سقطة من المذيع والذي هو أستاذ في التاريخ ؟!، والكلام ان الجماعة هنا نفس الجماعة هناك هو امر غير صحيح وهكذا خلط سطحي.
ان الطاغية صدام حسين المنحرف فكريا والبلطجي المجرم بلا رحمة او اخلاق او خطوط حمراء لصداقة او قرابة او معرفة او عشرة عمر او حتى فروسية، وهو ألغي كل ذلك في سبيل مشروعه الشخصي الذاتي لكي يحكم ويرفع معه القمامات البشرية واوباش البشر الذين التحقو به ك “شخص” بعد ان قتلوا كل من هو “قومي عربي” وكل من هو “بعثي مؤدلج” وكل من التزم ب “الوحدة العراقية مع سوريا ك “دولة” واحدة ” وكتنظيم حزبي” موحد.
ان هكذا طاغية قاتل منحرف ليس له علاقة مع حزب البعث الا الشعار التنظيمي “الذي سرقه” لأنه حركيا كان ضد أفكار الحزب نفسه وقتل أعضائه المنتمين له ومنهم من كان أقدم منه وهو كان يريد الهيمنة الشخصية لذاته.
ان الطاغية صدام حسين كان جبانا رعديدا امام الغزو الأمريكي هو والأربعة ملايين عضو مسجلين في سجلات حزبه الشخصي التي أقامه وأسسه بعد مذبحة قاعة الخلد، اين ذهبوا كلهم عندما جاء الاحتلال الأمريكي؟ لقد هربوا ولم يقاتلوا ولم يفعلوا شيئا امام الغزو الأمريكي للعراق الجريح الا الهروب المخزي بعد ان عاثوا بالعراقيين الأبرياء القتل والتعذيب الغير محدود الذي لا يتخيله حتى الشيطان.
هل هؤلاء الجماعة ك “تلك الجماعة الأخرى” كما كان يقول الضيف الأستاذ باقر ياسين وأيضا المذيع أستاذ التاريخ؟ الذي يتداخل برأيه الشخصي وهو للمناسبة خارج المهنية الإعلامية، هل كيف يجمع الكل في سلة واحدة وضمن التقييم نفسه ؟!
نحن كنا سنتقاضى عن هكذا كلام غير مسئول ونعتبره كلام قهاوي مرسل يمكن تمريره ضمن ردح متقاعدين عاطلين عن العمل يتجمعون في مجلس او قهوة ويتحادثون للتسلية او لتمضية الوقت بعيدا عن منازلهم، ولكن لا يجب قبوله من أستاذ دكتور مختص بالتاريخ وضيف المفروض انه كان يحتل موقع متقدم داخل المنظومة الحزبية للجناح البعثي اليساري.
في نفس المقابلة لم يذكر شيئا عن الرؤية القومية ودور القيادة القومية؟ وأسلوب عملها؟ وطريقة الرؤية السورية للأمور من وجهة نظرها؟ ودور البعثيين العراقيين؟ …الخ كل هذا لم يتم تناوله ولا ذكره بالمقابلة.
وكذلك ما تمت تسميته بالحركة التصحيحية داخل حزب البعث العربي الاشتراكي الجناح اليساري الحاكم في سوريا لم يدخل في تفاصيل عميقة تشرح الموضوع بعلمية أكثر وتفاصيل ادق، والأستاذ فاروق الشرع قدم تحليل أفضل لهذه الحركة منه وكذلك أعضاء اخرين؟ وهو مر على تلك المسألة مرور الكرام وكأنها حالة عداء شخصي وفقط وموضوعها متشعب وفيها تفاصيل كثيرة كان عليه ذكرها؟ وأيضا لم يذكر في المقابلة التأثير الإيجابي لحزب البعث اليساري على مسألة الكفاح الفلسطيني؟ على المستوى العملي التطبيقي؟



الامر الاخر المؤسف في نفس المقابلة هو التهجم الغير مباشر على المرحوم عبد الجبار الكبيسي وهو رجل تمسك بالمبادئ الوطنية والقومية في كل مراحل حياته وكان عضو سابق في القيادة القومية لحزب البعث اليساري واحد رموز المعارضة العراقية “الحقيقيين” ضد الطاغية صدام حسين وتم الانتقام من عائلته لهذا السبب حيث تم اعدام اخويه والراحل كان يحمل شهادة مهندس مدني من الجامعة الأمريكية في بيروت وهو كان الدينامو الفعال في المعارضة و له احترام كبير و المعني بربط العلاقات مع المعارضين ضد الطاغية صدام و نظامه البلطجي و صاحب مواقع نضالية بأكثر من موقع و هو انسان لديه سلبيات و إيجابيات كأي انسان والاستهزاء به امر لا يليق؟! وهو تحت رحمة ربه.
ولكن هذا لم يتم ذكره في المقابلة “مباشرة” ولكن تم الإيحاء بأنه ساذج امنيا …الخ من كلام غير مسئول عن شخصية مناضلة عراقية ومجاهد عربي، والذي اعرف انه حارب الصهاينة بأيمان قوي وصلابة كما أبلغني بذلك شخصيا المرحوم الدكتور تحسين محمود طالب النقيب “نوري الصفار” والذي اشترك معه بأكثر من عملية جهادية ناجحة حيث كانوا يستحملون الجوع والقهر المعيشي فقط لكي يقومون بعمليات فدائية ضد الاحتلال الصهيوني في لبنان اداءا لواجبهم القومي وجزء من تلك التفاصيل ذكرتها في كتابي “عشرية الثورات والتحولات” لمن يريد معلومات اكثر.
ولقد كان أيضا من المعروف عن الراحل عبد الجبار الكبيسي ايضا تعاليه الأخلاقي الكبير عن الهم الشخصي العميق اثناء الغزو الأمريكي للعراق الجريح، وقصته معروفة من دخوله سجون الاحتلال الأمريكي وخروجه منها وتوفى رحمه الله في مدينة باريس وهو في حالة مادية معروفة لكل محبيه وهم شهود.
ان هكذا شخصية عميقة مهمة و صلبة و تاريخية انتقلت الى رحمة الله تعالى من المعيب ان يتم الكلام عنها باستهزاء او بتلميح على انه ساذج امنيا إذا صح التعبير، وللحق والحقيقة نقول ان ما قاله الأستاذ باقر ياسين غير صحيح انه حدث لأنه بكل بساطة لم يكن الأستاذ “باقر ياسين” آنذاك بموقع المسئولية الحزبية التنظيمية لكي يحصل على معلومات حساسة , حيث تم إخراجه من الحزب ومنعه من العمل بقرار من القيادة القومية لحزب البعث الجناح اليساري الحاكم في دولة سوريا، فمن اين عرف تلك المعلومات الأمنية الدقيقة وهو خارج المسئولية وأساسا القصة غير صحيحة.
وعلى فرض انها صحيحة ونقول على “فرض” فأن حدوثها لا يقلل القيمة الشخصية لأي مسئول فهذه الاختراقات للأمانة تحدث من هنا وهناك بأي موقع يعيش صراعات مستمرة متواصلة، وإعادة طرحها بهذا الشكل لا اعرف سببه، وأساسا نكرر ان القصة غير صحيحة.
على العكس تماما فأن الحقيقة التاريخية تقول: ان المرحوم عبد الجبار الكبيسي تمكن بذكاء من الإمساك بالعديد من الخلايا الأمنية جائت لسوريا لتؤذيها ك “دولة” وك “مجتمع” لذلك تم الانتقام منه من خلال اعدام اخوته واقاربه، وهذا معروف ومتداول وليس سر.
أيضا في المقابلة لم نشاهد نقد او غضب او القاء نقاط سلبية على شلة الجواسيس وسياسيين الصدفة والحرامية الذين جائوا مع الاحتلال الأمريكي للعراق الجريح، وتم الإشارة الى شخصيات منهم ك “معارف” للضيف ؟! او “أقرباء” او “أصدقاء” وهذا أيضا كلام غير مسئول ومعيب ان يصدر من مسئول حزبي سابق وان تم عزله بمرحلة متقدمة واستبداله وهو لا يذكر تلك المسألة حفاظا على برستيجه الشخصي او لأضفاء حالة ملائكية على ذاته ؟! او لأن الأنسان بطبعه لا يحب ان تتم ذكر سلبياته؟ لا اعرف الإجابة بكل صراحة على ذلك الامر واترك تلك المسألة وهذه الأسئلة مفتوحة؟ واستغرب من الدكتور حميد عبد الله مجددا من تناوله اللقاء بسطحية لم نتعودها منه وأيضا لم يحاول استخراج سلبيات تاريخ الضيف مع ايجابياته ؟! والمفارقة انه يأخذ بالمديح والثناء على شخصية رجعية مرتبطة مع العهد الملكي؟! مع ان الأستاذ “باقر ياسين” هو عضو قيادة قومية للبعث التقدمي!؟، ويتكلم استهزاءا بقيادة بعثية نفس المرحوم عبد الجبار الكبيسي قدم اخوته واقاربه شهداء في سبيل المبدأ والقضية التي يؤمن بها؟! فمن يحل لنا هذا التناقض ؟!
وسبق ان أرسلت للدكتور حميد عبد الله التهنئة والتقدير له لبرامج متعددة تناولت التاريخ العراقي كان بها موفقا وعلميا ولكن بهذا اللقاء لم يكن “جيدا”.
بالختام اريد ان انصح الأستاذ باقر ياسين ان يتفرغ للكتابة عن حزب البعث العربي الاشتراكي اليساري والكتابة عن تضحيات الحزب ومواقفه من الحرب العراقية الإيرانية؟ وموقفه من احتلال دولة الكويت وغزوها؟ وعن تصرفات الحزب في الداخل العراقي في مختلف المناطق من الشمال للجنوب، وعليه ان يكتب عن المعارضة البعثية اليسارية لحكم الطاغية صدام حسين وكيف تعاملت مع الدولة السورية والجمهورية الإسلامية المقامة على ارض إيران وطبيعة علاقتها مع الدولة الليبية؟ وعن تضحيات هذه المعارضة البعثية اليسارية وشهدائها؟
لماذا لا يكتب عن الحقائق التاريخية عن المعارضة البعثية اليسارية، انها رفضت التعامل مع المحتلين والغزاة الامريكان، ولم تسقط في بئر الخيانة والعمالة للأجنبي، ورفضت الطائفية، ولم تسقط في مستنقع التعامل مع شلة الجواسيس والحرامية وسياسيي الصدفة، وأنها طردت من تنظيمها أي شخص تصرف فرديا وتعامل مع شلة الجواسيس والحرامية الذين جائوا مع الاحتلال الأمريكي، مهما كان موقعه، وتم اعتبارهم ك “أفراد” خونة للمبدأ وللقضية.



وعليه ان يوثق في شكل واضح بدون غموض، وأيضا ان يقول تحديدا من هم الذين استفادوا مصلحيا من ليبيا من قوميين عرب وناصريين وشيوعيين واكراد، بعيدا عن الغموض وإخفاء الحقائق، اما جمع الجميع في سلة واحدة فهذا الامر لا يمثل حالة علمية، ولا يمثل حالة من العدالة المطلوب من الكاتب ان يقدمها لمن يثقون بما يكتب ولمن يقرأون له.

د.عادل رضا
كاتب في الشئوون العربية والإسلامية
طبيب استشاري باطنية وغدد صماء وسكري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى