أحدث الأخبارفلسطين

رسالة مفتوحة إلى: الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش

مجلة تحليلات العصر الدولية

الكاتب: عماد عفانة

سيادة الأمين العام للأمم المتحدة:
*لقد بلغ الوضع بالغ السوء في قطاع غزة المحاصر منذ 15 سنة، إلى درجة كارثية ومأساوية، بات المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والحقوقية والإنسانية معها مجبرة على التدخل لإنقاذ قطاع غزة من الحالة الإنسانية الصعبة التي وصل لها، والتي باتت تهدد حياة وسلامة قرابة مليوني فلسطيني، خاصةً بعد عجز البلديات عن القيام بأعمالها اليومية الخدمية، وتوقف محطات الصرف الصحي عن العمل، جراء توقف محطة توليد الكهرباء عن العمل، بعدما منع الاحتلال الصهيوني دخول الوقود إليها عبر المعابر التي أغلقها بشكل شبه كلي.
إن موقع سيادتكم في رئاسة أكبر منظمة أممية في العالم، يحتم عليكم دفع المجتمع الدولي للخروج عن صمته، لجهة القيام بواجبه القانوني والأخلاقي، تجاه السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولاسيما في قطاع غزة، والتحرك الفوري لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، ووقف جرائم الاحتلال بحق سكانه.
وباتت الأمم المتحدة ومجلس الأمن مدعو اليوم للتحرك الفوري، لإجبار سلطات الاحتلال لرفع كافة القيود والشروط التي تضعها على حرية التنقل والنقل عبر المعابر مع القطاع، والسماح بإدخال كافة المواد والسلع والبضائع اللازمة لسكان القطاع والمشاريع الخدمية والانشائية.
إن قرار سلطات الاحتلال بمنع دخول كافة السلع والبضائع لقطاع غزة، يأتي تشديدا لسياسة الحصار التي تفرضه على قطاع غزة منذ نحو 15عاما، خصوصا بعد قرارها السابق بمنع دخول الوقود لمحطة توليد الكهرباء، لتفاقم بذلك من أزمات سكان القطاع الإنسانية، خصوصا سكان مخيمات اللاجئين، ونزلاء مراكز الحجر الصحي، حيث تقلصت ساعات وصول التيار الكهربائي اليهم الى اقل من اربع ساعات في اليوم، ما يشكل تهديدا لاستمرار الحياة اليومية والمعيشية للمواطنين الفلسطينيين.
سيادة الأمين العام:
نود أن نحيطكم علما أن أجهزة التنفس توقفت عن عشرات من اللاجئين المحجورين في مركز العزل الصحي في غزة، الأمر الذي ينذر بمخاطر سقوط ضحايا، ورافعا نسبة المخاطر من انتشار الوباء في قطاع غزة، البقعة الأكثر كثافة سكانية في العالم والتي يسكنها أكثر من مليوني إنسان، بينهم أكثر من 1.4 مليون لاجئ، الأمر الذي يتعارض مع أبسط قوانين حقوق الانسان التي نصت عليها مواثيق الأمم المتحدة.
كما لا يخفى على سيادتكم أن هذه الأزمات الإنسانية المتفاقمة، تتزامن مع تصعيد قوات الاحتلال لعمليات القصف بالطائرات الحربية والمدفعية والسفن الحربية في كافة انحاء القطاع، خصوصا في محيط مخيمات اللاجئين، ومراكز الحجر الصحي، مستخدمة الأسلحة المدمرة والمرعبة، والتي تتسبب في اثارة حالة من الهلع والخوف وسط سكان المخيمات ومراكز الحجر.
وعليه فإننا نطالبكم بالتدخل العاجل والسريع، لانقاد المحجورين من سقوط قذائف وصواريخ الاحتلال قرب أماكن اقامتهم، ما قد يدفع المرضى المحجورين إلى مغادرة أماكن الحجر فراراً بأرواحهم من نيران الاحتلال، الأمر الذي قد يكون له عواقب وخيمة على انتشار الوباء في صفوف نحو مليوني انسان، محشورين في أكثر بقعة كثافة سكانية في العالم، ما قد يشكل خطرا على انتشار الوباء في غزة، ومنه إلى الدول المجاورة.
سيادة الأمين العام:
نتوجه إليكم بهذه المناشدة العاجلة، باسمي وباسم جميع الفلسطينيين المأسورين بالقوة الصهيونية الباطشة، بين جدران قطاع غزة المحاصر، للقيام بدوركم الانساني والأممي، لإنقاذ أرواح آلاف البشر من جائحة كورونا، ومن جائحة الاحتلال، وللعمل الفوري على انهاء هذا الحصار المفروض على مليوني انسان منذ 15 عاماً، في مخالفة لأبسط معايير حقوق الانسان، فضلا عن انتهاكه للقوانين الدولية، التي كفلت حق العيش بكرامة للاجئين حتى عودتهم الى بيوتهم وديارهم التي هجروا منها.
إن استمرار هذا الوضع المأساوي، يجب أن يقرع لديكم ناقوس الخطر، للتحذير من كارثة إنسانية محققة في قطاع غزة، جراء استمرار سلطات الاحتلال بإجراءاتها التعسفية، المتمثلة بإغلاق المعابر، ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل محطة، ومنع دخول البضائع المختلفة، حيث أعلنت سلطات الاحتلال الأحد الماضي/23/8/2020م عن منع دخول كافة شاحنات البضائع الحيوية والهامة لقطاع غزة، وهو ما يهدد سكان قطاع غزة بكارثة إنسانية تطال كافة القطاعات وأوجه النشاط الإنساني داخل القطاع، لاسيما مع استمرار وتشديد الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال منذ نحو 15 سنة.
السيد انطونيو غوتيرش:
إن الواقع في قطاع غزة ينذر بكارثة إنسانية غير محمودة العواقب، جراء تفاقم عمليات القصف الجوي والبري والبحري لقوات الاحتلال؛ وتصاعد المخاوف من تفشّي هذا الفايروس بين سكان قطاع غزة الذي تصل معدّل الكثافة السكانية فيه 9000 شخص في كل كيلومتر مربع، أي أربعة اضعاف مدينة “واهان” الصينية، وهو ما يعني أن معدل العدوى سيكون مرتفع للغاية وينذر بخطورة بالغة يخشى معها أن تتحول غزة إلى بؤرة من بؤر تفشي هذا الوباء، وهو ما يوجب على المجتمع الدولي الذي تقودون أكبر مؤسسة أممية فيه، العمل الجاد والحثيث لإنفاذ قراراته وتوصياته المتعلقة برفع الحصار عن قطاع غزة.
فقطاع غزة يا سيد غوتيرش عمد الاحتلال إلى خنقه وعزله بالكامل، عبر إغلاق شامل لأربعة معابر حدودية “تجارية” وهي “نحال عوز، كيسوفيم، صوفاه، كارني” وترك معبر وحيد وهو كرم أبو سالم وجميعها مقامة على حدود القطاع، بينما ينتهك بجداره الحقوق المائية والبيئية للشعب الفلسطيني والتي كفلتها القوانين والتشريعات الدولية التي ترعى حقوق الشعوب في المصادر الطبيعية والموارد البيئية المختلفة.
غزة يا سيد غوتيرش محاصرة بأربعة موانع، من الشرق والشمال جدار عنصري صمم بمواصفات عسكرية وأمنية معقدة، ومن الغرب سيطرة صهيونية مطلقة على البحر، عبر أسطول يراقب كل حركة في فوق وتحت الماء، ومن الجنوب جدار مصري يتم إنشائه بمتابعة وتنسيق بل وربما تحريض صهيوني، تحت دواعي أمنية، بينما في الحقيقة إن الهدف سياسي بحت، يستهدف إخراج قطاع غزة من مسؤولية الاحتلال عنه، وفصل قطاع غزة عن الضفة والقدس، وإنهاء حل الدولتين، عبر تكريس انفصال قطاع غزة، لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967.
ان الاحتلال يا سيادة الأمين العام يقوم بينما نكتب رسالتنا المفتوحة اليكم، بإنشاء جداراً فوق وتحت أرض قطاع غزة، ويحيط بالناحيتين الشرقية والشمالية له، ما تسبب بتراجع خصوبة الأراضي الزراعية القريبة من مسار الجدار، فضلا عن أن إلقاء آلاف الأطنان من المتفجرات في تلك المناطق منذ 2014 وحتى أغسطس/آب 2020، أدى إلى تضرر التربة، والتي ازدادت أوضاعها سوءا، منذ إنشاء الجدار، ما دفع المزارعين إلى زيادة المخصبات والأسمدة بنسبة تراوحت ما بين 30% و50%، مقارنة بالفترة التي سبقت إنشاء الجدار، إذ تراجع النشاط الحيوي للتربة، بنسب تتراوح ما بين 20% و40%، في منطقتي شرق خان يونس وبيت حانون، بسبب ملاصقة المناطق الزراعية الخصبة للجدار حسب بيانات وزارة الزراعة، التي أكدت أن الجدار تسبب بتصحر التربة شرقي القطاع بصورة واضحة، إذ بلغت مساحة الأراضي المتصحرة قبل عام 2015 نحو 115 ألف دونم، وزادت لاحقا بواقع 50 ألف دونم حتى بداية عام 2019، وما زال التصحر مستمرا.
وقد بدأ الاحتلال في بناء الجدار، في يناير/كانون الثاني عام 2018، وهو عبارة عن سياج إسمنتي فوق وتحت الأرض بطول 60 كيلومتراً، وبعمق يتراوح ما بين 40 مترا و50 متراً، ويصل حتى المخزون الجوفي في معظم المناطق، ويشكل عائقا صناعيا أمام الحركة الجانبية للمياه الجوفية، ويتم إنشاؤه عبر إنزال أقفاص من الحديد المسلح في باطن الأرض قبل سكب الخرسانة، حيث يبلغ ارتفاع الجدار 6 أمتار فوق الأرض.
سيادة الأمين العام:
إن موقعكم الأممي يحتم عليكم حماية والدفاع عن القوانين والبروتوكولات الحقوقية والانسانية الدولية، والتي يشكل بناء الجدار حول قطاع غزة مخالفة صريحة للبند 54 من البروتوكول الأول المرفق لاتفاقيات جنيف من العام 1977، والذي يحظر “مهاجمة، تدمير، إبعاد أو منع استخدام المرافق الحيوية للسكان المدنيين، بما في ذلك مخازن الغذاء، الحقول الزراعية ومرافق تزويد مياه الشرب، وشبكاتها وأشغال الري، والتربة الزراعية”.
إن التكلفة التي قررها الاحتلال لبناء هذا الجدار، بهدف سجن سكان قطاع غزة، تبلغ حوالي 3 مليارات شيكل، أي نحو مليار دولار، وهو مبلغ لو خصص للإنفاق على النهوض بواقع سكان قطاع غزة وبنيته التحتية، لكان كفيلا بحل واحدة من أعقد المشاكل الانسانية على وجه الأرض.
ونود لفت انتباه سيادتكم إلى أنه يعمل على إقامة هذا الجدار العملاق نحو 1400 عامل أجنبي، قدموا من البرازيل وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا ومولدوفا وجول أخرى، ضمن 50 مجموعة منتشرة على طول مسار الجدار، الذي يبدأ من رفح جنوبا وحتى بيت لاهيا شمالا، ويستخدمون نحو 100 آلية هندسية متطورة، إذ يستهلك إنشاء الجدار 2.3 مليون طن من الخرسانة، و140 ألف طن من الحديد المسلح، ما تطلب إنشاء عدد من معامل تجهيز الخرسانة، التي تحميها أجهزة إنذار متطورة على طول مسار الجدار، لاستشعار ما يجري فوق وتحت الأرض.
كما نود أن نخبركم أن هذا الجدار الكارثي ظاهره أمني، لكنه في الحقيقي يستهدف سرقة المياه الجوفية لقطاع غزة، والعمل على تعطيش سكانه، وحرمانهم من المياه الجوفية التي تصلهم بشكل طبيعي عبر أنهار ووديان باطن الأرض، حيث يعتبر الجدار حلقة من مخطط الحرب المائية والبيئية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، والتي مرت بثلاث مراحل خطيرة، الأولى كانت في سبعينيات القرن الماضي حين أنشأ الاحتلال سدودا وعبارات تصريف مياه وأحواض تجميع عملاقة في النقب المحتل، حرمت القطاع من جريان العديد من الوديان السطحية عبره، والتي كانت تمد القطاع بالمياه العذبة السطحية والتي تتحول لاحقا إلى جوفية، مثل وادي غزة ووادي السلقا وسط القطاع، ووادي بيت حانون شمال القطاع، ما حجب ما بين 25 مليون متر و30 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، ثم بدأت المرحلة الثانية بسرقة المياه العذبة الجوفية عبر 21 مغتصبة، كانت تمتد من شمال قطاع غزة وحتى جنوبه، تم إخلاؤها بعد الانسحاب الصهيوني من غزة، في سبتمبر/أيلول عام 2005، أي بعد نحو 40 عاما من استنزاف المياه عبر عشرات الآبار المقامة فوق الخزان الجوفي، إذ تم نهب مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً، ما أدى إلى زيادة تركيز الأملاح في الخزان الجوفي لتصل إلى نسبة 98%، وتدهور الخواص الكيميائية للمياه، وأخيرا جاءت المرحلة الأكثر خطورة، والتي تتمثل في إنشاء جدار تحت الأرض يصل حتى المخزون الجوفي في معظم المناطق، ويشكل عائقا صناعيا أمام الحركة الجانبية للمياه الجوفية، التي تتدفق من الشرق والشمال الشرقي لتستقر في خزان القطاع الجوفي، ما يحرم غزة من كمية هائلة من المياه التي تغذي الخزان الجوفي المنهك أصلا، في ظل أن غزة تستهلك من الخزان المذكور 220 مليون متر مكعب سنويا لخدمة ما يزيد عن مليوني نسمة، في حين أن 70 مليون متر مكعب فقط من مياه الأمطار تصل إلى الخزان الجوفي كل عام.
لقد تسبب هذا الجدار بضغط التربة وتلويثها ما أدى إلى زيادة ملوحتها، واتساع بقع التصحر، وأحدث طفرات جينية في المزروعات والماشية، حيث ثبت وجود مواد مشعة في التربة، وعناصر ثقيلة خطرة، لها علاقة بالطفرات الجينية وزيادة التصحر، وتشوهات الأجنة في المواشي.
سيادة الأمين العام للأمم المتحدة:
إن مواصلة الضغط على سكان قطاع غزة، ومضاعفة الازمات الانسانية عليهم، وتعمد اهمال انتهاك المواثيق والقوانين الدولية المتواصلة بحقهم، والتي نكفل لهم العيش بأمن وكرامة فوق أرضهم، ينذر بتحويل قطاع غزة المحتل والمحاصر، والأكبر كثافة سكانية في العالم، إلى قنبلة موقوتة غير محمود العواقب، يحتم عليكم ومن خلال موقعكم الأممي الهام، التدخل العاجل لجهة انهاء الحصار الظالم المفروض عليه منذ نحو 15 سنة، وضمان حرية العيش والتنقل بأمن وسلام لسكانه، اسوة ببقية البشر في العالم، تطبيقا للقوانين والمواثيق الانسانية والدولية.
*تمت الاستعانة بأرقام وبيانات منشورة في تقارير رسمية مختلفة على الشبكة العنكبوتية.

عن الكاتب

كاتب at فلسطين | + المقالات

كاتب وصحفي
عمل سابقا مراسلا في صحيفة الوطن الفلسطينية
ومراسلا لصحيفة النهار المقدسية
ومحررا في صحيفة الرسالة الفلسطينية
له الكثير من المقالات المنشورة في العديد من الصحف والموافع الاخبارية العربية والفلسطينية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى