أحدث الأخبارفلسطين

فلسطين:في الضفة … مقاومة مختلفة … وحواضن صامدة

كتب: عماد توفيق عفانة

العصر-يتوسع الاشتباك في الضفة المحتلة أفقياً على مستوى الانتشار في مختلف مدن الضفة الغربية، من الشمال إلى الوسط والجنوب، وعمودياً عبر انخراط شرائح وفئات أكبر في المواجهة في كل مدينة ومخيم.

فيما تستمر حالة المقاومة الناشئة في شكلها الحالي المختلف، في الحفاظ على مسافة من القوى والفصائل التقليدية، ربما يعود ذلك لأسباب أمنية، أو للتمويه والتعمية على الاحتلال، او ربما لإعفاء هذه القوى التي تعمل من خلف الستار من مزيد من الملاحقات والاعتقالات والملاحقات من الاحتلال وسلطة التنسيق الأمني على حد سواء.

في وقت يصر فيه الاحتلال على اتهام حركتي الجهاد وحماس بتوفير الدعم اللازم لهذه المجموعات والكتاب التي باتت تتمدد في كل اتجاه.



أو ربما للنفاذ من الوصاية الأبوية السياسية، التي تشكل عبئا على هذه المقاومة المتحررة من الحسابات والالتزامات التي باتت تثقل كاهل مختلف القوى والفصائل التقليدية.

المواجهة التي باتت تتمدد في الضفة الغربية، باتت لا تشبه نظيراتها السابقة بعد أوسلو، لجهة عدم تبعيتها للفصائل التقليدية- او عدم الإعلان عن ذلك في هذه الفترة على الأقل-، ولناحية عدم امتلاكها هياكل تنظيمية وقيادة معلنة وواضحة للعدو، ما أعجز الاحتلال عن تحديد اهداف واضحة لملاحقتها والقضاء عليها.

ورأينا ما حل بعرين الأسود عندما أعلنوا عن أنفسهم والتقطت الكاميرات صورهم، لذلك بتنا نرى الجيل الجديد من عرين الأسود مجرد أشباح ترى أفعالهم ولا ترى صورهم.

ناهيك عن ان المجمعات المقاتلة الناشئة في الضفة تقاتل من اجل الدفاع عن النفس وعن المدن والمخيمات التي تنطلق منها، وليس من اجل الحصول على أثمان سياسية أو منافع اقتصادية.

الأمر الذي شكل ربما نموذج مختلف من المواجهة، يقوم على شباب رافض للسياقات السائدة، التي تكبل الجميع وتحشرهم في جب الانقسام، والفشل السياسي والاجتماعي والاقتصادي للسلطة التي باتت توصم بالفساد على نطاق واسع محليا اقليميا ودوليا، والتي يعلم الجميع انه لولا دورها الأمني واسناد العدو لها لتفككت واندثرت منذ زمن.

جذور هذه الظاهرة ليست جديدة، وليست وليدة هذا العام او العام الماضي بل هي وليدة جيل الشهيد بهاء عليان (2014) الذي يقول في وصيته:
“أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي فموتي كان للوطن وليس لكم”.
فيما اوصي الشهيد إبراهيم النابلسي (2022) بعدم ترك البندقية، حالماً بالوحدة الوطنية.

وما بين عليان والنابلسي، بدأ يتكاثر جيل جديد، يصنع رموزه وابطاله وقادته بنفسه، ويحدد بوصلته وهدفه وهو تحقيق الحرية والاستقلال، الأمر الذي يتقاطع ويتلاقى مع كل قوى المقاومة قديمها وجديدها لأنها من الثوابت.

هذا النموذج الجديد في المقاومة والذي يمهد لانطلاق انتفاضة مختلفة، غير خاضع لخطط وأساليب العدو التي درج عليها في حربه المستمرة على المقاومة، كمقاربة “جز العشب”، واستهداف القيادات الأولى للأجنحة المسلحة ذات الهيكليات القيادية التي باتت مكشوفة، ثم استهداف قيادات الصفين الثاني والثالث عبر الاغتيال والاعتقال، عدم وجود هذا النسق القيادي الرتيب في تشكيلات المقاومة الجديدة في الضفة يجعل خطط العدو السابقة غير ذات قيمة.

كما ان هذا النموذج استطاع التغلب على مساعي الاحتلال المحمومة لتفريغ وتشتيت وتفتيت الحواضن الشعبية التي يمكن ان تشكل حاضنة للمقاومة، حيث استطاع هذا النموذج تكوين حواضن آمنة محصنة في جنين ونابلس، ما شجع حواضن أخرى في مختلف المدن والمخيمات على استعادة دورها البطولي المشرف ومحاكاة بعضها في احتضان واسناد المقاومة.



انطلاق الفعل المقاوم من جديد، هو نموذج مختلف، يقوم على استخلاص العبر من التجارب السابقة، وابتداع أساليب تتكيف مع منظومة العدو الأمنية، فتصنع تكتيكاتها وتجربتها الخاصة، وهذا ما يفسر النجاح النسبي للمجموعات المقاومة داخل البلدة القديمة في نابلس ومخيم جنين في بناء حواضنها الشعبية، الأمر الذي عبرت عنه حاضنة مخيم شعفاط بحق رؤوس الشباب للتعمية والتمويه على الفيلسوف الثائر عدي التميمي.

ثم نجحت في تحويل هذه الحواضن إلى مراكز جذب ونماذج قابلة للمحاكاة والتقليد، لناحية رفع منسوب الوعي السياسي الذي حرص العدو والسلطة على حد سواء على تغييبه وتشويهه على صوت الدندنات المشوهة التي عزفت على ادانة الإرث الثوري القديم لناحية صناعة الفلسطيني الجديد، فتحولت العمليات الفردية، والذئاب المنفردة إلى ظاهرة وحالة وتجربة ونموذج بطولي مشرف حري بالمحاكاة والتقليد في مختلف بقاع فلسطين المحتلة.

وهكذا قرأنا ظاهرة الفيلسوف الثائر عدي التميمي في نقل الفعل الميداني من التموضع إلى التدحرج، من شعفاط المحاصرة إلى كل مناطق القدس، وأفشل كل المساعي الصهيونية لعزل الحالة الفدائية الناشئة في جنن ونابلس وإبقائها في عرينها.

عرين الأسود تشكيل فدائي لا فصائلي، الا انه حاز على صيت قوي، وأحدث وقعا تردد صداه في أوساط كل الشعب الفلسطيني، وتموضع في صدور وقلوب الشعب الفلسطيني ونجح في وقت ما من التقاط اللحظة، وحاول لعب دور الفصائل الكبيرة في فرض إضراب واسع يعم الضفة، حيث وجدت دعواته استجابة ملحوظة أعادت الى الاذهان نسق وأساليب الانتفاضة.

وأعاد العرين الى الشارع ظاهرة الملثم التي تراجعت كثيراً خلال السنوات الماضية، الأمر الذي اثار مزيد من المخاوف لدى العدو من التقاط بقية المدن والمخيمات الظاهرة لفرض حضورها الميداني المقاوم.

يقف العدو الصهيوني اليوم أمام مخاطر فقده أدوات السيطرة والتحكم، كالعقوبات الجماعية كإغلاق المعابر، والانتقائية كسحب “تصاريح حركة” عائلات المنخرطين في المقاومة التي يوظفها لكسر الحالة، في ظل حملات التضامن والتآزر التي ينظمها شعبنا مع نفسه بأشكال مختلفة، فها هم أهلنا في الضفة ينظمون حملات – يلا على نابلس- للتسوق من أسواقها وإنعاش اقتصادها وإسناد صمود أهلها وتجارها بعد تعرضها للحصار الصهيوني لأسابيع كعقاب لها على احتضان عرين الأسود.



حالة التساند والتآزر هذه بحاجة الى أن تتحول إلى ظاهرة تتمدد وتنتشر في كل البقاع التي تتمدد فيها المقاومة، لناحية اسناد حواضن المقاومة شود أزرها، وكسر سياسة الاحتلال العقابية، وإبطال أثرها، وإفقاد الاحتلال أدواته واسلحته اللاإنسانية جدواها وفاعليتها.

عن الكاتب

كاتب at فلسطين | + المقالات

كاتب وصحفي
عمل سابقا مراسلا في صحيفة الوطن الفلسطينية
ومراسلا لصحيفة النهار المقدسية
ومحررا في صحيفة الرسالة الفلسطينية
له الكثير من المقالات المنشورة في العديد من الصحف والموافع الاخبارية العربية والفلسطينية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى