أحدث الأخبارالسعودية

لماذا غاب الامير بن سلمان ونظيره الكويتي عن قمة أبو ظبي التشاورية الطارئة؟ وما هي الاحتمالات الثلاثة لإنعقادها بهذه العجلة؟ وهل ستخرج مصر من أزماتها المالية المتفاقمة وتنقذ عملتها المتدهورة؟

عبد الباري عطوان
العصر-إستضافت دولة الامارات العربية المتحدة في عاصمتها “ابوظبي” الأربعاء قمة تشاورية مصغرة، جرى ترتيبها على عجل، وضمت قادة اربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي (سلطنة عُمان، قطر، البحرين، والامارات) الى جانب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ولوحظ غياب الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية، والشيخ نواف الأحمد امير دولة الكويت، او ولي عهده الأمير مشعل الأحمد، وهو غياب يتسم بالغموض، ولم تصدر أي تصريحات رسمية او تسريبات صحافية حتى كتابة هذه السطور لتبرير هذا الغياب او شرح أسبابه.
هذه القمة المفاجئة جاءت بعد أخرى ثلاثية في القاهرة يوم الثلاثاء، ضمت الرئيس السيسي الى جانب العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، طار بعدها العاهل الأردني الى أبو ظبي حاملا رسالة الى الشيخ محمد بن زايد دفعته للمبادرة فورا بالدعوة الى القمة التشاورية المصغرة، مما يعني ان هناك أسبابا طارئة حتمت انعقادها.
***
من المرجح ان هناك عدة احتمالات تقف خلف هذا التحرك السريع للدول المشاركة في قمة أبو ظبي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: تدهور الأوضاع الاقتصادية المصرية بعد انخفاض الجنيه المصري الى أدنى مستوياته في التاريخ (32 جنيه مقابل الدولار)، وارتفاع معدلات التضخم، والشروط القاسية لصندوق النقد الدولي وأبرزها تعويم العملة الوطنية وتقليص اعمال الشركات الخاصة التابعة للجيش المصري في مجال المقاولات والتجارة الى حدود دنيا، وهناك أنباء تقول ان الصندوق طلب من دول الخليج تقديم 40 مليارا فورا مساعدات لمصر والا فالانهيار وشيك وحتمي.
ثانيا: تصاعد المخاوف من قرارات خطيرة قد تقدم عليها حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية الفاشية، وأبرزها اقتحام المسجد الأقصى، وإلغاء الوصاية الهاشمية عمليا، وضم الضفة الغربية، وتسفير مئات الآلاف من سكانها الى الأردن.



ثالثا: تحذيرات الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري السابق دول الخليج قبل أيام من عدوان امريكي إسرائيلي وشيك ضد ايران يمكن ان يهز أمنها ويزعزع استقرارها.
خطر الإنهيار الاقتصادي الذي تواجهه مصر ربما كان العامل الأهم والأكثر الحاحا على جدول أعمال القمة التشاورية، فالمساعدات المالية الخليجية توقفت كليا، وحتى اذا استمرت فلم تعد منح لا ترد، وودائع دون شروط، وان هذا النهج تغير مثلما قال السيد محمد بن جدعان وزير المالية السعودي في كلمته امام منتدى دافوس الاقتصادي اليوم الأربعاء، وكان الرئيس السيسي قد اكد في تصريحات سابقة هذا التوقف عندما قال ان دول الخليج أوقفت مساعداتها كليا.
غياب أمير الكويت عن القمة التشاورية ربما يكون مفهوما، ويعود في بعض جوانبه الى تبني مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) قرارا بمنع حكومة بلاده من تقديم دولارا واحدا كمساعدات لمصر، ووجود ازمة داخلية متفاقمة بين الحكومة والبرلمان هذه الأيام، مضافا الى ذلك تدهور العلاقة بين البلدين بسبب ترحيل العمالة المصرية من الكويت، ولكن ما هو غير مفهوم حتى الآن هو غياب الأمير بن سلمان ولي العهد السعودي عن القمة التشاورية الطارئة.
العلاقات البينية الخليجية ليست في أفضل أحوالها هذه الأيام، فاذا كان الاستقبال الحار، والباسم، من قبل الشيخ محمد بن زايد للأمير تميم بن حمد اثناء مشاركته بهذه القمة قد صعد الآمال بتخفيف حدة التوتر بين البلدين، فان هناك تسريبات إخبارية تؤكد ان العلاقات السعودية الإماراتية تعيش حالة من التأزم على أرضية الخلافات في الملف اليمني وقضايا إقليمية أخرى، وربما هذا التأزم هو الذي ادى الى حدوث إنفراجة في العلاقات القطرية الإماراتية.
اما اذا انتقلنا الى العلاقات المصرية السعودية فإنها تعيش حالة من التوتر غير مسبوقة منذ سنوات انعكست في توارد انباء في الصحافة الغربية (موقع اكسوس الأمريكي)، عن وقف السلطات المصرية الإجراءات العملية لنقل ملكية جزر تيران وصنافير الى السيادة السعودية، مضافا الى ذلك شن الاعلام الرسمي المصري هجوما شرسا على قناة “أم بي سي السعودية ـ مصر” والمذيع عمرو اديب الذي يقدم برنامجا يوميا عن الشؤون المصرية فيها، واتهامه بالعمالة للسعودية وسط مخاوف من احتمال اغلاق المحطة التي تبث من مصر.
تركيزنا على الجوانب الاقتصادية، والخلافات، والمناكفات، والعلاقات البينية “المتذبذبة” بين دول هذا المحور لا يعني تجاهل قضايا اخرى على درجة كبيرة من الخطورة، وأبرزها تلك المتعلقة بالتوتر العائد الى ممارسات حكومة نتنياهو الفاشية ومخططاتها، ومنعها السفير الأردني من زيارة المسجد الأقصى كخطوة أولى لإلغاء الوصاية الهاشمية.
صحيح ان عدم دعوة الرئيس الفلسطيني عباس لحضور قمة ابو ظبي قد قللت من أهمية بحث هذا التهديد في القمة المذكورة (هناك فيتو اماراتي ضده)، ولكننا لا نستبعد ان المخاوف على الأردن الذي يتعرض حاليا لضغوط أمريكية وإسرائيلية للمشاركة في قمة النقب الثانية في المغرب، حظيت ببحث جدي أيضا، وحث العاهل الأردني الدول الخليجية المطبعة مع دولة الاحتلال لاستخدام نفوذها لعدم التمادي في تصعيد هذه الضغوط لما يمكن ان يترتب على ذلك من ردود فعل قد تهدد أمن الأردن واستقراره.
***



جميع الدول المشاركة في هذه القمة التشاورية المصغرة، باستثناء سلطنة عُمان، وقعت اتفاقات تطبيعية مع دولة الاحتلال، ومن المفارقة ان السعودية والكويت اللتين غابتا عنها لم يطبعا مع دولة الاحتلال حتى الآن على الأقل، فهل جاء هذا من قبيل الصدفة أم جاء متعمدا؟
القمة المصغرة الطارئة في أبو ظبي لم تستغرق الا ساعات معدودة، فهل خففت من حدة الخلافات العربية والخليجية تحديدا ام زادتها تعقيدا، وهل ستتدفق المليارات على مصر لإخراجها من أزمتها المالية، (قدمت دول الخليج لمصر 92 مليار دولار منذ ثورة يناير 2011)، ام سيبقى بيت أبو سفيان على حاله؟ الأيام القليلة القادمة ستجيب على هذه الأسئلة وتفرعاتها، وما علينا الا الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى