أحدث الأخبارلبنانمحور المقاومة

لماذا لا تكون الموساد وراء اغتيال لقمان سليم لإلصاق التهمة بحزب الله ؟

مجلة تحليلات العصر الدولية - عبدالسلام بنعيسي

لا يمكن أن يكون اغتيال العميل لقمان سليم، إلا مرفوضا ومدانا، مهما تكن الجهة التي تقف خلفه، فالاغتيال جريمة شنعاء، ويصبح الاغتيال بشعا وأشنع، إذا كان الهدف منه قمع رأي معارض، وإسكات صوتٍ مختلف بقوة الحديد والنار وبالتصفية الجسدية. ولا يملك المرء إلا أن يضُمَّ صوته إلى الأصوات التي استنكرت الاغتيال وأدانته عن حسن نية وبنزاهة وصدق، وأن يبدي التعاطف مع أسرة الفقيد، وأهله وذويه، وكل الذين آلمهم هذا الحدث المقرف والشنيع..

🔸وبقدر ما يجب التنديد باغتيال لقمان سليم يتعين أيضا التنديد بتصرف بعض الجهات التي تحاول استثمار دم القتيل وتوظيفه في المشاحنات السياسية اللبنانية الداخلية، لتصفية حساباتها مع خصومها السياسيين، أو لخدمة أجندة خارجية، قد تكون صهيوسعودية، أو أمريكية، أو إسرائيلية، أو هي مجتمعة..

▪️فبمجرد أن شاع خبر العثور على جثمان الرجل مغتالا برصاصات في الرأس والظهر، انطلقت، كالعادة، الحملة الدعائية التي تتهم حزب الله بالوقوف وراء عملية الاغتيال، فقبل أن يجفَّ دم سليم في التراب، وقبل الشروع في التحقيق حول الظروف والملابسات المتصلة باغتيال الرجل، بادرت الجهات المعلومة إلى تعليق المشانق لقيادة حزب الله، وشرع خصوم الحزب في التظاهر بالتفجع وبارتداء ثوب التأثر والحزن، وانهمكوا في البكاء والعويل، وتسليط الغضب والهستيريا على المقاومة اللبنانية، وتوجيه الاتهام إليها بأنها وراء الاغتيال..

🔸الشعور بالحزن العميق وبالغضب الشديد لتعرُّضِ إنسان للقتل أمرٌ محمودٌ ويؤكد إنسانية الإنسان، إذا كان هذا الشعور عفويا وصادقا حقا، ولكننا نلاحظ أن نفس الجوقة التي تتظاهر في لبنان بأنها غاضبةٌ وحزينةٌ جدا لاغتيال لقمان سليم،طه لا تبدي أي إحساس مماثل عندما يتعرض أشخاص آخرون للقتل والاغتيال. حين يكون المغتال من خصومها السياسيين، أو من مجرد الذين لا ينتمون إلى خطها السياسي، يصبح إحساس هذه الجوقة باردا كالثلج وجامدا كالصخر، ولا نسمع له صدى.

▪️لم يبدو على الذين تكرموا بالتعبير عن أحاسيسهم المرهفة تجاه اغتيال لقمان سليم أي شعور بالحزن الشديد والغضب العارم حين أشاعت في العالم وكالات الأخبار نبأ قتل الصحافي السعودي خاشقجي وتقطيع جثثه بالمنشار في سفارة بلده بتركيا. ولم يتفضلوا بالتعبير عن أي ذرة من التعاطف الإنساني حين قامت المخابرات الإسرائيلية باغتيال العالم الإيراني فخري زادة..

▪️هل لأن المتهمة بالجريمة، في الحالة الأولى، هي الصهيوسعودية، وفي الحالة الثانية هي إسرائيل؟ هل إذا كان القاتل من الرياض أو من تل أبيب يجوز أن يصبح الشعور بالغضب والحزن مفتقدا وغير وارد؟ وهل هذا تصرُّفٌ صائب وعقلاني ومقنع؟ ألا يدل هذا السلوك على ازدواجية المعايير في إبداء المشاعر لحظة القتل والاغتيال؟ هل يتمُّ ذلك دون مقابل مادي؟
لا تتحرك إنسانية هؤلاء الذين غمرونا بمشاعرهم المتعاطفة مع لقمان سليم، حين تمُرُّ الصواريخ الإسرائيلية فوق رؤوسهم، ومن فوق سماء وطنهم لبنان متجهة صوب سوريا لقتل أطفالها ونسائها وشيوخها بالعشرات وأحيانا بالمئات، ولا يصدر عنهم ما يجعلنا نستنتج أن شعورهم قد تكدّر، وأن الألم قد ألمَّ بهم جراء ما تقترفه إسرائيل ضد أشقائهم الفلسطينيين..
و يا ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، إننا نجد الكثيرين منهم يبررون جرائم القتل والاغتيال والقصف والحصار والتجويع في اليمن، وكان منهم الذين تحمسوا لاحتلال دول عربية ولتدميرها وقتل إنسانها والإجهاز على حضارتها، وأوجدوا لذلك المسوغات، ومنهم من استحث القوى الامبريالية وعلى رأسها أمريكا للقيام بالغزو والاحتلال، ومنهم من عبّر عن دعمه لإرهابيي داعش وجبهة النصرة وساندوهم في كل الجرائم البشعة التي كانوا يقترفونها في سورية والعراق ضد الشعبين هناك، بل نلاحظ أن هؤلاء يلجؤون، في خطابهم، لممارسة الشماتة والتشفي في مآسي أشقائهم، بل منهم من يستلذ بذلك، في سادية غريبة عن السلوك السوي للبشر العاديين..

▪️فكيف نصدّق أن عناصر هذه الجوقة العملاء يعبرون فعلا عن شعور بالحزن والألم والغضب لاغتيال لقمان سليم؟ لو انتظروا إلى أن يتم التحقيق القضائي، وأن تقول العدالة كلمتها في النازلة، وإذا تمت إدانة عناصر من حزب الله بالاغتيال، حينئذ يحقُّ لهم أن يقولو في الحزب ما يشاؤون، لكنهم استبقوا التحقيق والقضاء وأصدروا حكمهم المبرم. هؤلاء لا تمهم معرفة الحقيقة، ولا يهمهم حقا اغتيال الفقيد، إنهم يوظفون لحظة الاغتيال ليفرغوا ما في أجوافهم من أحقاد على حزب الله. إنهم يريدون تلبيسه جريرة الاغتيال رغم أن الحزب أدانها، وحثَّ على معاقبة مقترفيها.

▪️لو كان حزب الله مطالبا باغتيال معارضيه، لكان عليه اغتيال ثلث الشعب اللبناني الذي لا يتوقف قادته وساسته وصحافيوه العملاء، لحظة واحدة، ليس فقط عن توجيه النقد للحزب المذكور، وإنما يحملونه تبعات كل المشاكل والأزمات والمصائب التي يتخبط فيها لبنان، ومن هؤلاء من يجتمع بالسفيرة الأمريكية ويتلقى منها الأوامر والتعليمات المحرضة ضد الحزب، ويخرج من عندها، وأمام مكتبها يعلن عما تلقفه لديها لوسائل الإعلام، ويسعى لترويجه، وتسويقه بين اللبنانيين، و، بهاجس الحفاظ على السلم الأهلي، لا يجرؤ حزب الله على مسِّ شعرة في رؤوس خصومه السياسيين المنفذين لتعليمات السفارة الأمريكية في بيروت..
مشكل هؤلاء مع حزب الله ليس في كونه اغتال لقمان سليم، هذه مجرد تعلة فارغة، بل ليس لدى هؤلاء أي مشكل جوهري مع الحزب المذكور، إنهم في الحقيقة مجرد كومبارس عملاء مكلفون بأداء مهمة مناهضة الحزب والتشنيع عليه والتحريض ضده، فحزب الله، بصواريخه الدقيقة ذات القدرة التفجيرية المرعبة، وعقب انتصاره على الكيان الصهيوني في حربين متتاليتين، بات موسا في حلق هذا الكيان الغاصب، لا هو قادرٌ على بلعه، ولا على رميه، والوسيلة الوحيدة ليدافع بها الكيان الصهيوني عن نفسه إزاء الحزب المذكور، تتمثل في إشغاله بالمشاكل الداخلية اللبنانية التي يتكلف بصنعها وتضخيمها الوكلاء المحليون..

▪️قد تكون الموساد وراء اغتيال لقمان سليم لإلصاق التهمة بحزب الله.. فما دام الحزب قد تمكن من تحقيق توازن الرعب مع دولة العنصرية والاحتلال، وأضحى قوة تقف بندية في وجه إسرائيل، وتشكل تهديدا جديا لها ولوجودها في المنطقة، فإنه قد أصبح مشكلا معقدا وكبيرا للكيان الصهيوني، وللغرب عموما، ولأمريكا على وجه الخصوص، وما دام الغرب والكيان الصهيوني عاجزين عن العثور على الحلَّ الناجع للتخلص من حزب الله، فإن الاتهامات من قبيل اغتيال رفيق الحريري ولقمان سليم، ستظل تطاله، في كل لحظة وحين، ولن تعدم من يروجها، حتى وإن كان على يقين، بأنها اتهامات باطلة وزائفة..بتصرف بسيط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى