أحدث الأخبارالعراقايرانشؤون آسيويةشؤون امريكيةشؤون اوروبييةفلسطينلبنان

مسألة شائكة.. ما تبعات اعتبار أمن إسرائيل “مصلحة وطنية” ألمانية؟

ويليام غلوكروفت/ف.ي

العصر-منذ الهجوم الوحشي الذي شنته حماس على إسرائيل، يكرر المسؤولون الألمان عبارة كانت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل استخدمتها عام 2008 وهي أن أمن إسرائيل “مصلحة وطنية” لألمانيا. فماذا تعني هذه العبارة؟ وما تبعاتها القانونية؟
بالنسبة لألمانيا – الماضي حاضر دائما- : فالإبادة الجماعية بحق اليهود الأوروبيين وغيرهم من الجماعات خلال الحقبة النازية لها تأثير عميق على الدولة والمجتمع اليوم.
كما تؤثر على عملية صنع السياسات وتشكيل نظرة ألمانيا للعالم ، وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي أسستها الحركة الصهيونية كدولة يهودية بعد ثلاث سنوات فقط من قتل ألمانيا المنهجي لستة ملايين يهودي في المحرقة، فإن الدولة الألمانية ترى أنها تتحمل “مسؤولية خاصة”.
إن التزامها تجاه إسرائيل هو أكثر من مجرد هدف سياسي؛ إنه جزء أساسي من وجود ألمانيا الحالية.
وهذا ما يجعل أمن إسرائيل ووجودها بمثابة “مصلحة وطنية” في ألمانيا.

استخدمت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل هذا المصطلح عندما ألقت كلمة أمام الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، في عام 2008.
وقد كرر خليفتها، أولاف شولتس، هذا المصطلح عدة مرات منذ الهجوم الوحشي المفاجئ الذي شنته حركة حماس والذي أدى إلى مقتل مئات الإسرائيليين، معظمهم من المدنيين، وفقا للسلطات الإسرائيلية.

وقال شولتس في خطاب ألقاه أمام البرلمان الألماني “بوندستاغ”، يوم الخميس الفائت (12 أكتوبر/ تشرين الأول): “في هذه اللحظة، لا يوجد سوى مكان واحد تقف فيه ألمانيا إنها بجانب إسرائيل”.
وهذا ما نعنيه عندما نقول إن أمن إسرائيل هو “مصلحة وطنية ألمانية”.

إسرائيل تنادي وألمانيا تستجيب وبعبارات مباشرة وملموسة، فإن ذلك يعني انضمام ألمانيا إلى كوكبة الحلفاء الذين يدعمون الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، والذي وصفته الأمم المتحدة بأنه انتهاك للقانون الدولي.
وتسيطر إسرائيل على محيط غزة منذ أن قامت بإزالة مستوطناتها من جانب واحد في عام 2005.
وتحكم حماس منذ 2007 المنطقة المكتظة التي يسكنها مليوني شخص، نصفهم تقريبا من الأطفال.
وتقصف إسرائيل قطاع غزة بانتظام ردا على هجمات حماس.
وفي هذه الجولة الأخيرة والأكثر كثافة من الأعمال العدائية، تسببت الغارات الجوية في مقتل مئات الأشخاص، ويلوح في الأفق غزو بري.
ويشار إلى أن حركة حماس، وهي جماعة إسلاموية فلسطينية مسلحة، تصنف في ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى كمنظمة إرهابية. كما أعلن المستشار شولتس أن حكومته ستحظر جميع أنشطة حماس في ألمانيا.
وخلال اجتماع لحلف شمال الأطلسي في بروكسل، أكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أن إسرائيل طلبت ذخائر لقواتها البحرية.
وقال للصحفيين “سنناقش مع الإسرائيليين كيفية المضي قدما في هذا الأمر”.
وربما يكون هناك المزيد من الدعم المادي والعسكري في الطريق، وقال مسؤولون ألمان إنهم سيلبون طلبات إسرائيل عند تقديمها.

البحث عن تعريف ومثل أي دولة، لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وفق قواعد القانون الدولي، ضد أي هجوم.
وألمانيا ليست الدولة الوحيدة التي تدعم هذا الحق. ومع ذلك، فإن هذا الحق، باعتباره “مصلحة وطنية”، يحظى بتسمية خاصة – وهي تسمية مفتوحة للتأويل على نطاق واسع.
وأكد كارلو ماسالا، الأستاذ في جامعة الجيش الألماني في ميونيخ، للقناة التلفزيونية الألمانية الثانية (ZDF): “في ألمانيا، لم يتم توضيح ما يعنيه هذا بالفعل”.

ويضيف: “إذا كان يُقصد بجدية حقًا “جزء من” المصلحة الوطنية في ألمانيا، فهناك تبعات أخلاقية وسياسية، وبطريقة ما دستورية” لهذا الأمر.

فإذا كان هناك تهديد وجودي لإسرائيل فعلا، وهو ليس كذلك حاليا، فستكون ألمانيا ملزمة بـ “الدفاع بنشاط” عن إسرائيل – مما يعني المشاركة العسكرية المباشرة، وفق ماسالا. وأضاف “هذا هو الاستنتاج المنطقي”.
“المصلحة الوطنية” هي نظرية ومفهوم قانوني في العلاقات الدولية تطور عبر قرون من الفكر السياسي الغربي، مع تطور دور الدولة وحقوقها وسلطاتها. وبأخذ تعريف مؤسسة ميريام وبستر، فهي: “تبرير للسياسة الخارجية للدولة على أساس أن مصالح الأمة لها الأولوية”.
وهكذا فإن المصالح الوطنية لألمانيا تنقاد لمصالح دولة أخرى.
وهذا أمر منطقي عندما يُنظر إليه من خلال عدسة المؤسسة السياسية الألمانية. ورغم أن الحركة الصهيونية تسبق ألمانيا النازية، إلا أن المحرقة هي الدليل الأكثر تدميراً لدعم ادعائها بأن السيادة اليهودية، في هيئة دولة، هي وحدها القادرة على حماية اليهود.
إلا أن المبرر الأخلاقي والتاريخي يجعل استخدام ألمانيا لمصطلح “المصلحة الوطنية” متعارضا مع المعنى القانوني للمصطلح.
وتقول البروفيسورة ماريتا أوير، المديرة التنفيذية لمعهد ماكس بلانك للتاريخ القانوني والنظرية القانونية، لـ DW: “إن المصلحة الوطنية تعني دائما تقديم المصلحة على القيم”. ولهذا “فهناك الكثير من التعقيد.
ولكن يتم التخلص من كل التعقيد بسبب الخلط بين المفهومين”.
بعبارة أخرى، قد تكون حماية دولة إسرائيل قيمة ألمانية تهدد بتقويض المصالح الألمانية، ولكن استحضار ميركل لـ “المصلحة الوطنية” في إسرائيل في عام 2008 أدى إلى تهدئة هذا التوتر. ربما كانت هذه نظرية قانونية متذبذبة، ولكن فيما يتعلق بالسياسة، تقول أوير إنها كانت “خطوة ذكية” أدت إلى “تبسيط الأمور”.
وأوضحت أوير: “ليس من الضروري أن أكشف عن [الأسباب] كزعيم لدولة”. “فإذا قلت إن هذه هي مصلحة الدولة، فهذا كل شيء انتهى”.

في عام 2008، قالت المستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل للبرلمانيين الإسرائيليين إن أمن إسرائيل ووجودها هو “مصلحة وطنية” بالنسبة لألمانيا.
العواقب الحقيقية لنظرية الدولة ، ومن خلال رفع موقف ألمانيا من إسرائيل إلى مستوى “المصلحة الوطنية” تتمكن رئيسة الحكومة (المستشارة) أو رئيس الحكومة (المستشار) من إنهاء النقاش، وفقًا لرأي كلاوس ديتر وولف، الأستاذ السابق للعلاقات الدولية في جامعة جامعة دارمشتات التقنية.
ويضيف فولف في رسالة عبر البريد الإلكتروني، ردا على أسئلة DW أنّ جعل موقف سياسي محدد “مصلحة وطنية” هو لتحصينه ليكون “بمنأى عن التناقضات”.

ويضيف قائلا إن القيام بذلك له “عواقب وخيمة” على السياسة الواقعية. فإذا تمكنت دولة ما ببساطة من تجاهل مبادئ معينة، فإنها يمكن أن تؤدي إلى تآكل التزاماتها الأخرى، مثل التزاماتها تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
إن حرية التعبير منصوص عليها في القانون الأساسي الألماني، الذي يعتبر بمثابة دستور للبلاد .
وقد تم حظر احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين وتقييد أشكال التعبير الأخرى، استنادا لقانون العقوبات الألماني الذي يحظر التصريحات “الموافقة على الأعمال الإجرامية” أو إثارة الاضطرابات.
إنه توازن دقيق بين المصالح المتنافسة، رغم أن كيفية إدارة الدولة لالتزاماتها تجاه أولئك الذين يعيشون داخل حدودها هي شأن داخلي.
أما كيفية تموضع دولة ما في المجتمع الدولي فهي أمر آخر.
إن تطبيق “المصلحة الوطنية” يرفع مصلحة دولة ما إلى المرتبة الأولى بين متساوين، الأمر الذي قد يتعارض مع القانون الدولي.
يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، لـ DW: “ليس هناك تسلسل هرمي في القانون الدولي”. ويضيف: “ما قد تقوله ألمانيا بشأن حقها الأصيل في الوقوف إلى جانب إسرائيل لا يعفيها من مسؤوليتها في الالتزام بالقانون الإنساني الدولي والامتثال له، وهو الذي ينظم وسائل الحرب”.
فيما قال مايك مارتن، المحلل العسكري البريطاني في حوار مع قناة DW News في وقت سابق من هذا الأسبوع: “ليس من الواضح بالنسبة لي أن إسرائيل تفرق بين الضحايا المدنيين والأهداف العسكرية”. وأضاف أن “إسرائيل ملزمة بموجب القانون الدولي بالقيام بذلك”.
وإذا انتهكت إسرائيل القانون الدولي سعيا لتحقيق مصالحها الأمنية، والتي تقول ألمانيا إنها “مصلحة وطنية” ألمانية، فقد تجد ألمانيا نفسها في موقف قانوني محفوف بالمخاطر على نحو متزايد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى